Search
Close this search box.

يتعذّرُ على إسرائيل إلاّ أن تكون دولة فصلِ عنصريٍ (أبارتايد)

الدكتور محمد حافظ يعقوب

 

أعترف الآن أن الدافع الذي حفزني وشد من عزيمتي على الاشتغال على “بيان ضد الأبارتايد”، هي تحضيرات الإسرائيليين وأنصارهم لاحتفالات أرادوها ضخمة بالذكرى الخمسين لتأسيس دولة إسرائيل. وكانت الاستعدادات التي يقومون بها للاحتفاء بهذه المناسبة في أوساطهم الفرنسية والأمريكية على الخصوص لا تخلو من عُنجهية مُستفزّة. وقد حَشدت لذلك الأموالَ الكثيرةَ وأصدقاءها في العالم كي تخلق الانطباع، وهو سياسي بالضرورة، في أن شرعيتها راسخة بدلالة وجودها نفسه، وباعتراف العالم بهذا الوجود.

كان لابد من الرد؛ من استحضار الوجه الآخر للصورة، الوجه الذي يتعذّر طمسُ ملامحه، لأن فلسطين، كما قال الفلسطيني بالتبني الراحل إيلان هاليفي، تبرز بجلاء خلف إسرائيل ومن بين تفاصيل صورتها المُذهّبة.

  • من البيّن إذن أن هواجس الدراسة هذه كانت تتصل وقتئذ بسؤال الشرعية: شرعية فلسطين وشرعية إسرائيل: نكبة أم استقلال. ولا يخفى أن إسرائيل أرادت، وما زالت تريد، إثبات أن شرعيتها راسخة، وتوليد الانطباع السياسي بالضرورة بصحة السرد أو الرواية الصهيونية بخصوص تدمير فلسطين وإنشاء إسرائيل على أنقاضها وفوقها، وبأن الرواية الفلسطينية تجافي الحقيقة السياسية والتاريخية على السواء.
  • لكل زمان أسئلته؛ وأسئلة اليوم ما عادت هي نفسها تلك الأسئلة، التي حكمت هواجس “بيان ضد الأبارتايد” وقت العمل عليه في مطالع العام 1998. فقد حدثت تغيّرات كثيرة طبعت بميسمِها الثقيل كفاحَ الفلسطينيين من أجل تحررهم، وهم يُكابدُون اليومَ أوضاعاً ما كان يمكن تخيلها قبل عقدين من الزمان:
  • يصعد اليمينُ المتطرف في العالم، في كلّ مكان في العالم، وتواجه الحريات السياسية وترسانتها الحقوقية وأفكارها والمدافعين عنها، حملةً شرسةً مازالت، بتقديري، في بداياتها. ومع إدارة السيد دونالد ترامب، انتقلت السياسة الأمريكية من محاباة إسرائيل وضمان أمنها إلى إعلان حرب مفتوحة على الفلسطينيين من غير طلاء، وإلى أن يتكشّف البيت الأبيضُ عن أنه الطرف الفاعلُ في مساعي تصفية القضية الفلسطينية والقوة الضاربة في المشروع الصهيوني من حيث هو كذلك. وجاء السابع من أكتوبر، ليؤكد بأن ترامب لم يكن مجرد طفرة، وأن إدارة جو بايدن قادرة على القيام بما لم تقم به إدارة أخرى، لحماية ودعم الأبارتايد الإسرائيلي.
  • يقتتل العرب ويستفحلُ وهنهم، إن لم يكن انهيارهم، ويفقدون كثيراً مما رسخه كفاحُ أجيالهم من أجل التوحيد والتحرر والعمران.
  • حدثت انتفاضتان فلسطينيتان داميتان لم تجف دماؤهما بعد. واستشهد الآلاف من الفلسطينيين أولهم الرئيس ياسر عرفات. ونجم عن استيلاء حركة حماس على قطاع غزة انقسامٌ فلسطيني كثيفُ الوطأة على قضيتهم، وأصاب صورةَ كفاحِهم العادلِ وصورتهم كضحايا بعطبٍ ثقيل.
  • تفكيك إسرائيل بقيادة شارون مستوطنات قطاع غزة و”الانسحاب” منه بغرض الاستفراد بالضفة الغربية أي السيطرة عليها بالاستيطان وبالتهويد. واستقر اليمين الإسرائيلي المتطرف في السلطة، وازدادت عدوانية دولة إسرائيل التي أخذت تندفع أكثر فأكثر نحو الانتقال بالأبارتايد من الممارسة والمُضمَر إلى مأسسته أي تشريعه بالقوانين، وآخرها القانونُ المعروف باسم قانون (يهودية الدولة). فإذ يرسِّمُ هذا القانون هويةَ إسرائيل كدولة يهودية، يضع في الحقيقة الأسس القانونية للأبارتايد: يخطّ تخوماً كثيفةً بين السكان في الدولة، ويبعدُ أهلَ البلاد الأصليين، العربَ الفلسطينيين، ويدفعُ بهم نحو أن يحتلوا مواقع مواطني الدرجة الثانية. فبحسب قانون (يهودية الدولة)، انتفت عن غير اليهودي، أي الفلسطيني، صفة المواطن، فقد غدا مقيماً في الدولة، ويمكن لسلطاتها أن تطرده منها إن اقتضت مصالحها أو ضرورات “أمنـ”ها ذلك.
  • والواقع أن إسرائيل بهذا القانون حلّت لَبساً طالما أربكها بخصوص تعريفها لذاتها، أي هويتها. فقد دأبت على تقديم نفسها على أنها دولة ديمقراطية ويهودية في آن. في بداياتها، أي منذ بن غوريون، أبرزت إسرائيل “البعد” الديمقراطي في هذه الهوية، ثم أخذت تميل مع صعود اليمين نحو إبراز “البعد” اليهودي فيها. هكذا دُفع البعد الديمقراطي إلى خلف الصورة. اليومَ، أفصحت إسرائيلُ عن أنها دولةٌ لبعض المقيمين فيها: للسّادة الأحرار فقط.
  • في العمق، لم يتغيّر شيء يذكر على طبائع الأشياء بخصوص القضية الفلسطينية. فما زالت الفرضية المركزية أو الفكرة المحورية التي استندت إليها في “بيان ضد الأبارتايد” صالحةً اليومَ إن لم أقل إن صلاحيتها تعززها الوقائع والأيام. وبيانها، باختصار، إنه يتعذّرُ على إسرائيل إلاّ أن تكون دولة فصلِ عنصريٍأو أبارتايد. وإن الإسرائيليين يعرفون ذلك ويدركونه ويستسهلونه أو يستهينون به ويشتغلون وفقه.

ما يحصل اليوم باختصار، أن عملية نزع “الإنسانية” عن الفلسطيني التي صار التعبير عنها صريحا ودون لبس، من قادة مجلس الحرب على الشعب الفلسطيني، هي ترخيص بالقتل الجماعي والتهجير والتدمير لكل ما له علاقة بالهوية الفلسطينية والوجود الفلسطيني…

——————-

مفكر فلسطيني، مؤلف “بيان ضد الأبارتايد”

Scroll to Top