Search
Close this search box.

كيف تصنع شعبًا جاهلًا.[2]!!!

كيف تصنع شعبًا جاهلًا.[1]!!!

“نتابع طرح التساؤل عن الوصفة السحرية لصنع شعب جاهل؟!!!

بعد الصفنة الماضية، نتابع معًا صفنة ثانية في ثنائية السلطة المستبدة المركبة من تحالف السلطتين (السياسة والدينية).

وإليكم ما يلي:

  • سكين النظم الاستبدادية “الآلية الخفية للسيطرة”

تواجه مجتمعاتنا عملية فرز صارمة من خلال أنظمة تسلطية تستخدم معايير اقتصادية معزولة، متناسية بذلك السياقات الاقتصادية الكلية. هذا يولد نزعة محمومة لجمع المال دون توجيه أو غاية. الانتباه ينتقل بعدها إلى المؤسسة الدينية، حيث يُطلب من الأفراد الانقياد لمعتقداتها ومثلها العليا، كليًا أو جزئيًا، ويُعاقب المعارضون بالتجريم أو الحظر. يكشف هذا الانتقال عن كيفية استغلال القيادات الاستبدادية للدين كأداة للحكم ونشر الجهل. هذه الاستراتيجية، المعروفة باسم “الآلية الخفية”، قد ترسخت مع الزمن في وعينا الجمعي، مما يستدعي الانفصال عنها بأقرب وقت ممكن.

يغفل النظام السياسي عن الروابط الإنسانية والحضارية، ويُبرز التقسيم الاجتماعي كيف تعمل السلطات على ترويج الأيديولوجيا الدينية لدعم الأجندات السياسية للدولة، مما يضع المخالفين لهذه الأيديولوجيا تحت طائلة الاتهام بمخالفة الدين الرسمي وبالتالي القانون الأساسي للدولة. الحوارات السياسية، التي تغلب عليها المؤسسات الدينية، تمنحها نفوذًا يتجاوز المؤسسات المدنية أو الحكومية، مما يجعل السلطة الدينية تسود على المجالات السياسية، والثقافية، والعلمية، والفلسفية.

الدين، بجوهره، لا يمكن اختزاله أو اندماجه بسلاسة في الأطر الثقافية أو الاجتماعية، خصوصًا عندما يتعثر الخطاب الديني الرسمي في الإقناع المنطقي ويظهر بمظهر غير مقنع. مع قدرة الدين الكبيرة على التأويل، يصعب دمجه في أي نظام ثقافي أو اجتماعي محدد. على الرغم من ذلك، تواصل السلطات التشريعية محاولات دمج الدين بالسياسة، مما يعكس ميل الدولة نحو دين محدد وتفرض على الآخرين قبول تشريعات دينية متجاهلة التعددية الدينية، والثقافية، والمدنية للمجتمع ومبادئ المواطنة.

  • معادلة محققة مركبة من “تحالف السلطتين”

في سياق تحليلي لكيفية تماهي السلطة السياسية والدينية مع الواقع الذي نعيشه، يبرز الأسلوب الذي تتبعه هاتان السلطتان في صوغ قراراتهما وتشريعاتهما التي تفرض عبئًا ثقيلًا على المواطن، فيما تحافظ كل منهما على موقعها ونفوذها. هذه الديناميكية تظل مستترة خلف أقنعة متعددة تتغير باستمرار عبر العقود، مما يؤثر تأثيرًا خفيًا ومدمرًا على الوعي الجمعي العربي.

تشعرنا هذه الأنظمة السلطوية بثقلها، حيث تصادر منا ملاحقة أحلامنا الشرعية، محاصرةً حياتنا اليومية بالصراع من أجل البقاء. وتجعلنا التحديات الاقتصادية والأمنية والمؤامرات الدولية نفقد السيطرة على مصائرنا وتبعدنا عن مسار التقدم نحو المستقبل. فيصبح تفكيك هذه الآليات المتجذرة بين السلطة السياسية المطلقة والسلطة الدينية الراسخة مسألة بقاء، وتشكل تحديًا وجوديًا يتطلب مواجهة جادة وحازمة.

الثورية التي ترسخت في الهوية العربية، بفضل ما عُرف بثورات الربيع العربي، دفعت النظريات الإنسانية والسياسية الحديثة لإعادة تصور الحكم بطريقة أكثر ديمقراطية وشمولية، مؤكدةً على أهمية تداول المعلومات والنقاش الحر بين مختلف الطبقات الاجتماعية. وبالتالي، تم توسيع الفجوة بين السلطتين السياسية والدينية لضمان عدم امتزاجهما مجددًا، مما فتح المجال لتأصيل مفاهيم حيوية مثل الحرية والمواطنة.

لكن لتحطيم جدران الجهل التي أقامتها هذه السلطات، يتوجب علينا أن نتحلى بالشجاعة والفاعلية، وليس فقط من خلال النتاجات الأدبية والشعرية. فمن الضروري بناء تجربتنا الثقافية الخاصة، مستندين إلى فكر مفكرينا المستنير والمعاصر. هذا الحلم الثوري لن يتحقق إلا إذا اختار شعوب المنطقة بأسرها الانخراط في هذا التحول، متجاوزين الجمود الفكري، ومنخرطين في مشروع ثقافي وطني يعيد صياغة ومناقشة المفاهيم الأساسية للدين والسياسة بحرية، متوافقًا مع معالم الدولة المدنية الحديثة. يجب أن يقوم هذا البناء على أسس تحترم التنوع الاجتماعي والتراث العلمي، موصولًا بجذور حضارتنا العريقة، متحررًا من نفوذ المؤسسات الدينية المُسيسة والمؤسسات السياسية المتينة والتي تحاول فرض تأثيرها على هذه العملية.

فنحن نحتاج إلى ثورة ثقافية جذرية تعمل على إعادة تنظيم العقل الجمعي العربي، محوًا للأفكار البالية ومنشطةً لروح الابتكار والإبداع. هذه الثورة الثقافية المعمقة، وحدها، يمكنها أن تعيد إلى الأمل بريقه في مستقبل يزهو بالديمقراطية والمواطنة، وتمكين الشعوب من المشاركة الإيجابية في صناعة أوطانهم.

[1] العنوان وكثير من الأفكار مقتبسة من كتاب صديقي المفكر والصحافي والشاعر طارق سعيد أحمد من كتابه (كيف تصنع جاهلًا) فله جزيل الشكر والامتنان لسماحه لي بذلك.

Scroll to Top