Search
Close this search box.

الطاهر حداد (1899 ـ 1935)

يعد الطاهر حداد في الحركة الأدبية والفكرية والإصلاحية المعاصرة من كبار بناة الفكر التنويري لا في تونس وحسب بل في العالمين العربي والإسلامي. كان من المهتمين بعد ابن خلدون بقضية الحضارة وتعميق مفهوم الحداثة، كما كان في أدبه وفكره وجهاده الميداني السياسي والاجتماعي نصير الحرية وحقوق الإنسان، مساندا للمستضعفين في محيطه وبشكل خاص لقضيتي المرأة والعمال.

ولد الطاهر حداد في تونس (العاصمة) سنة 1899 ونشأ في وسط شعبي يعيش من كد يديه. تلقى في طفولته تعليما دينيا في الكتّاب القرآني ثم التحق بجامع الزيتونة ليعمق ثقافته العربية الإسلامية ويتأهل لشهادته الوحيدة المتاحة آنذاك لطلبته وهي “التطويع”. وازدادت ثقافته العامة رسوخا وسعة بتفتحه على الثقافات الأجنبية من خلال الترجمات إلى العربية حين تردده على “الجمعية الخلدونية” و”النادي الأدبي لقدماء الصادقية”.

صادف التحاق الطاهر بالزيتونة انتفاضة شعبية ضد الإدارة الاستعمارية في العاصمة يوم 7 نوفمبر 1911، وهي معركة الزلاج التي آلت إلى نصب الحصار العسكري على مدينة تونس وضواحيها وتعطيل الصحف العربية وضرب القيادة الوطنية وتغريبها. وكان في مقدمة المبعدين علي باش حانبة (1876 ـ 1918) زعيم حركة “تونس الفتاة” والشيخ عبد العزيز الثعالبي (1874 ـ 1944) الذي كان مكلفا بتحرير النشرة العربية لصحيفة “التونسي” الناطقة بلسان تلك الحركة.

ولا شك أن هذه المعركة ومخلفاتها وأحداثا أخرى ضد الاحتلال الفرنسي كانتفاضة قبائل العراريش (1906) وثورة الجنوب (1915 ـ 1916) قد تركت عميق الأثر في نفس الفتى الطاهر وشحذت حسه الوطني الذي يستحضره في كل مواقفه وأعماله وكتاباته كقوله:

شربت حب بلادي مذ نشأت بها

طفلا وقد عم أحشائي وأوصالي

عرفت منتها الكبرى عليّ ولم

أنس القروض التي تقضى بأمثالي

من كل حر أصاب الكرب موطنه

فقام يسعى بأفكار وأعمال

تخرج الطاهر حداد من جامع الزيتونة محرزا التطويع في 1920. وقد عمق ثقافته الحقوقية في دراسته للقانون بمدرسة الحقوق التونسية التي لم يلازمها بانتظام لانشغاله بالنضال السياسي والاجتماعي والنقابي والكتابة طيلة العشرينات. فانقطع عن الدراسة ثم عاد ليجتاز امتحان شهادة الحقوق التونسية وينجح في جزئها الأول في جوان (حزيران) 1930.

لم يكن الطاهر راضيا عن النظام التعليمي التقليدي في المؤسسة الزيتونية وقد ترك وثيقة تربوية تاريخية نقدية هامة حررها وهو طالب بعنوان “التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامعة الزيتونة”. وتؤكد هذه الوثيقة على المنحى العقلاني التنويري والنزعة الإصلاحية في فكر الطاهر حداد باعتبار أن الهدف المنشود في التعليم هو “بث الروح العلمية” و”احترام حرية الفكر” لا “ الحفظ” و”النقل” و”التقليد”. وكما يقول ابن خلدون: “صنع العقول الدربة على الصواب”.

احتك الطاهر بعالم من كبار أعلام الزيتونة هو الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي يعده من قادة الفكر وزعماء الإصلاح ورواد الأدب في العالم العربي ـ الإسلامي. وهو مؤسس الحزب الدستوري التونسي في 1920. وقد انضم الطاهر للحزب منذ تأسيسه وكلف بنشر الدعاية له بالمقالة والقصيدة والعمل الحركي الميداني. ثم فترت علاقته بالقيادة الراكدة بعد خروج مؤسس الحزب مرغما إلى بلاد المشرق في جوييه (تموز)1923 تحت ضغوط إدارة الحماية وبعض رفاقه. وقد اتسعت هوة الخلاف مع اللجنة التنفيذية المقيمة في البلاد والتي انزلقت في مكيدة للإدارة الاستعمارية استهدفت القضاء على أول حركة نقابية تونسية فألقي القبض على زعيمها ونفي مع عدد من القياديين في 25 نوفمبر 1925.

ناصر الطاهر رفيقه في الكفاح محمد علي الحامي مؤسس “جمعية التعاون الاقتصادي التونسي” ثم جامعة عموم العملة التونسيين”. وألف تخليدا لهذه الحركة كتابه “العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية” فلما صدر في 1927 صادرت السلطة الاستعمارية نسخ الكتاب.

وفي عام 1928 نشر الحداد سلسلة مقالات بليغة في جريدة “الصواب” دافع فيها بجرأة وذكاء عن المرأة التونسية وحث على تعليمها وترقيتها وإنصافها في حقوقها لتؤدي واجباتها العائلية والاجتماعية. وجاءت مقالاته معمقة ثرية فاتحة لآفاق جديدة في الإصلاح الاجتماعي حتى أنه استساغ بعد عامين ضمها إلى كتابه الثاني “إمرأتنا في الشريعة والمجتمع” الذي أصدره في أواخر سنة 1930 فأثار الضجة الكبرى.

كان الحداد هدفا في تلك الخصومة لضربات القوى الأهلية المناهضة لأفكاره التحررية وهي التي حركت الصحافة والقصر الملكي وإدارة الحماية والفئة الأصولية المتصلبة من شيوخ الزيتونة وقد وجدوا في المجموعة المعادية له في الحزب الحر الدستوري تشجيعا. وقد اتهم الحداد في دينه فرمي بالكفر وضرب عليه الحصار وعاش بقية حياته في شبه عزلة خانقة. وقد صدرت كتابات ثلبية عديدة بحقه مثل “سيف الحق على من لا يرى الحق” و”الحداد على إمرأة الحداد”.

ويمكن القول أن السبب الرئيسي للحملة كان سياسيا أكثر منه الغيرة على الإسلام. فالعديد من الذين شاركوا فيها كانوا من المتورطين في انعقاد المؤتمر الإفخارستي الكنائسي العالمي بقرطاج في 1930 الذي كان طبعة متزمتة للمسيحية استرجع فيها منظموها ذكرى قدوم ملك فرنسا لويس القديس (1214 ـ 1270) إلى قرطاج لتنصير البلاد التونسية. وكان من المتورطين ملك البلاد أحمد باشا باي الثاني ووزيره الأول خليل بوحاجب وعدد من رجال الدين ممثلين عن المذهبين المالكي والحنفي. وقد جاء المؤتمر في ظل سياسة النسف الاستعماري لمقومات الشخصية الوطنية المهددة بالنسف والتذويب. ولوقف السخط الشعبي ضد المشاركين وتوجيه الأنظار نحو موضوع آخر جاء الهجوم بعد 5 أشهر من انعقاد المؤتمر على كتاب الطاهر حداد في محاولة لاسترجاع مقام مهتز عند جمهور المسلمين.

ولقد كانت الحملة شرسة خالية من الأمانة العلمية وأخلاق النقد، فتركت جرحا عميقا قاتلا في نفس الطاهر يعبر عنه في بعض أشعاره كقصيدته “إلى أين!” في 11/7/1934:

“أغني لنفسي غناء حزينا وهل

بسوى الحزن غنّى حزين

شباب ولكنه ضائع وروح

و لكنه مضحى سـجين

أقام عليه ذوو المكر حصنا

على ركنه باسـم تقوى ودين”

في كتابه الذي جلب له المحنة تكامل رفيع المستوى بين عناصر سياسية وثقافية وتربوية واجتماعية وعقائدية دينية بنى عليها المؤلف مشروعه الإصلاحي الجديد الوثيق الصلة بالأحوال الشخصية وترقية المرأة وحماية الأسرة والمجتمع. ويشمل الكتاب على قسمين أولهما تشريعي والثاني اجتماعي. أما الاجتماعي فيضم لوحات إبداعية تصويرية بلغة طلية وأسلوب جذاب لمشاهد قد اندثرت اليوم في حياة الأسر التونسية داخل البيوت حيث تبرز شخصية الباحث الاجتماعي الميداني للتاريخ وقد أرهف هذا العنان سمعه ودقق نظره لملاحظة مشاهد تسجل بحذق وطرافة ما كان يحدث في البيوت من أقوال وممارسات ضارة بسعادة الأسرة مخلة بتوازنها وتوازن المجتمع.

أما القسم التشريعي فقد بناه المؤلف على موضوعته القائمة على تدرج الإسلام في تشريع أحكامه المتصلة بالأحوال الشخصية ومن هذا المنطلق اعتبر الحداد هذه الأحكام دنيوية قابلة للتغيير والتطوير لأن الأحوال الشخصية لا تمس جوهر العقيدة كالتوحيد والأركان الأحرى في الإسلام، وما هو في معنى أصول الدين الخالدة بخلوده.

وفي هذا القسم من مشروعه الإصلاحي دعوته إلى تمكين المرأة من حقوقها المدنية كالمساواة في حق الشهادة والانتصاب للقضاء وحرية التصرف في مالها واعتبار نزول ميراثها عن الرجل قابلا للتغيير في اتجاه المساواة.

قيّد الحداد عقد القران بالفحص الطبي المشروط على القرينين توقيا من آفات الوراثة والأمراض المزمنة والمعدية وشدد على منع الزواج دون سن الرشد وأفتى بإباحة موانع الحمل، بل تعدى ذلك إلى إباحة عملية الإجهاض إذا وقع الخوف على حياة الأم وسلامة الأسرة. وهكذا ترك الباب مفتوحا للمجتهدين من بعده في موضوع التنظيم العائلي. وقد جهر بمنع تعدد الزوجات حفاظا على وحدة الأسرة واستقرارها وتضامن أفرادها كما نادى بتحكيم القضاء في كل ما يقع من حوادث الطلاق وحق المتضرر من الزوجين بالتمتع بالتعويض المالي تضييقا على المطلق بنزوة تضر بقرينته. وانتقد المؤسسة الزجرية “دار جواد” المعدة لردع الزوجة المستعصية النافرة من زوجها، كما اعتبر نفاقا وممارسة بغيضة ملعونة اللجوء إلى “التّياس” أي المحلل الصولري للمطلقة بالثلاث. وبذلك كان رائدا في تصور جديد للأحوال الشخصية في تونس والعالم العربي.

هكذا وقف الحداد في وجه التيار التقليدي الاجتراري، فنظر إلى الإسلام كدستور اجتماعي نظرة متفتحة اجتهادية حركية مستقبلية سابقة لزمانه متحديا المتشديين في ظاهر النص وتقليد السلف ومؤكدا على الصلة بين تواكب الأحكام الاجتهادية مع التطور الاجتماعي.فيما يعبر عنه شعرا:

وأشياخنا نصطفيهم هداة وهم

باسم هذا الهدى في اغتنام

أثاروا على الفكر حربا ضروسا

وسادوا بتقليدهم للإمـام

يقولون إن التطور كفر

يهد كيانا لنا بانهدام

وفي المرحلة الصعبة والعصيبة من حياته شرع الحداد في تسجيل “خواطره” فجاءت إضافات ثرية لدعوة عميقة للإصلاح والتجديد وعقلنة الفعل وتأسيس الحضارة.

مدافعا عن الحرية والديمقراطية وحق الاختلاف كان الحداد دون شك من رواد حقوق الإنسان الأوائل في المغرب وهو القائل:

عصرنا يطلب انفكاكا من

الماضي ويبغي حرية الإنسان

هكذا حطمت شعوب الترقي

ما دهاها في سالف الأزمان

كل يوم تفتن قنا جديدا فهي

ترقى في جدة الألوان

نحو مستقبل عظيم المزايا

فيه ترتاح من قيود الهوان

أحمد خالد  كاتب وباحث تونسي

الإمعان في حقوق الإنسان الجزء الأول

Scroll to Top